درج السودانيون بجميع اتجاهاتهم حيثما تمكنوا من توفير قدر من الثروة أن يتجهوا لبناء منازل تأويهم وذاك أمر طبيعي وأساسي، إلا أنهم بناءا على مزاج متقدم ورغبات راقية، وميلا منهم في التميز قلما نجدهم يرضون ويقنعون ببناء منازل متوسطة الحال أو متواضعة كالتي يبنيها البسطاء من القوم ممن لم يحققوا الثراء المنشود.
ومنذ بداية السبعينات حيث أخذ الثراء والغنى في الظهور وسط فئات من الموظفين الكبار والمهنيين وكبار المسؤولين وبعض الناجحين من رجال الأعمال توجه هؤلاء لتشييد منازل فاخرة، وبدا اهتمام الدولة بهذه الشرائح كبيرا و أخذت تراعي متطلباتهم أكثر من غيرهم، صارت تمنحهم ما يسمى بقطع الدرجة الأولى، مساحات شاسعة ومواقع مميزة وخدمات خاصة، وبالتالي تتوقع منهم بناءات فاخرة ودور عالية شاهقة تزين المدينة وتبهج ناظريها وترفع قدرنا وسط زوارنا. اتجاه المواطنين السودانيين لتملك الدور المميزة خلق سوقا رائجة لتجارة مواد البناء وطفرت أسعار الأسمنت والزنك والسيخ فوق ما يتصور العقل، وكذلك أسعار الخشب والبهيات والبلاط والطوب الأحمر، وتبع ذلك ظهور سماسرة الأراضي وعن هؤلاء حدث ولا عرض فإذا بأرض السودان الواسعة الشاسعة، السودان القطر الكبير المتسع مترامي الأطراف، إذا بأرضه غالية مكلفة كما هي قطع الأرض في مانهاتن أو طوكيو.
اهتمام السودانيين غير العادي بالمميز من البناء والمواقع والعلو أفزر خللا كبيرا في الأوضاع الاقتصادية فصارت معدلات عالية جدا من الثروة تتحول إلى غابات من الأسمنت، وانفرط التوازن الاقتصادي لكثير من الأفراد، فما أن يتورط أحدهم في مسألة البناء المكلفة هذه حتى تتغير مفاهيمه وأساليبه في الكسب ليتحول إلى آلة نهمة لجمع المال فإن كان مهنيا رفع معدلات خدماته وإن كان تاجرا زاد من معدلات أرباحه وإن كان موظفا (مستفيدا) رفع عمولاته وحوافزه كل ذلك حتى يكمل ذلك البناء الذي لم تكن له طاقة به.
خلاصة الأمر أن النسبة المعقولة التي كان من المفترض أن تخصص للإسكان أخذت تتضاعف إلى أضعاف كثيرة. وصارت ثروات مقدرة من دخول أهل السودان كان من المفترض أن تمول أنشطة اقتصادية إنتاجية هامة، صارت تتجه صوب المباني. والبنوك أيضا دون دراية أو ربما عن قصد ساهمت وتساهم في مهرجان الغلاء هذا، ذلك بتقديمها قروضا وتسهيلات ائتمانية ضخمة لمن يقدمون ضمانات مليئة مثل هذه الدور الفخمة. أما العاقلون ممن يكتفون بمنازل عادية فإن نظرة المجتمع لهم قد تصنفهم بالشح إن كانوا أغنياء أو بالتأخر في تحقيق النجاح إن كانوا غير ذلك.
وأخيرا مع الانفتاح على الاستثمار الأجنبي و المستثمرين الذين أتوا من كل حدب وصوب، ومع البنوك السودانية التي صار بعضها أجنبيا بفعل الخصخصة اتجه التمويل لتشييد المنازل وبأقساط مريحة تستمر إلى ثمان وعشر سنوات، وأقبل السودانيون على هذا النمط الجديد من التمويل، الإعلانات مغرية والنظم الأمنية المغلقة لتشجع من يأمل أن يشيد منزلا بالانخراط ضمن هذه المنظومة، لكن التكلفة هي الأمر المحير إنك لتجد في مجموعة ( …. ) مثلا أن تشييد الفيلا يكلف 320 ألف دولار!! لكن السداد ميسور نوعا ما، فهو على مدى ثمان سنوات، أي في العام عليك بسداد 40 ألف دولار، وذلك ما مقداره 3333 دولار في الشهر، إذن نحن في حاجة لمن يكسبون في الشهر ما متوسطه 5000 دولار حتى نضمن إن يشتركوا معنا في هذه المنافسة !! فكم يا ترى من السودانيين الذين هم في الداخل وفي الخارج من من يستطيعون؟
باختصار لأن نوفر ساكنين لهذا النمط من المنازل فهذا مشروع جاهز لتفريخ المئات أو الآلاف من حالات الثراء غير الطبيعي، المشروع وغير المشروع!!
في إحصاء لعدد الشركات الأجنبية التي ولجت هذا المجال والتي بدأت الآن تنفيذ هذه المشروعات لنجد إنها قد أنفقت أو ستنفق عشرات مليارات الدولارات في تشييد مدنها أو أبراجها أو مخططاتها، وهذه عشرات أو عشرينات مليارات الدولارات تأمل هذه الشركات المستثمرة أن تعود إليها أضعاف مضاعفة أي بما يقرب من المائة مليار دولار في مدى ثمان سنوات، بمعدل يس


























